السيد عباس علي الموسوي
181
شرح نهج البلاغة
ثم إنه في أيام صفين الشديدة قال معاوية إلى عمرو بن العاص : قد رأيت أن أعاود عليا وأسأله إقراري على الشام فقد كنت كتبت إليه ذلك فلم يجب إليه ولأكتبن ثانية فألقي في نفسه الشك والرقة . فقال له عمرو بن العاص وضحك : أين أنت يا معاوية من خدعة علي عليه السلام . قال : ألسنا بني عبد مناف . قال : بلى ولكن لهم النبوة دونك وإن شئت أن تكتب فاكتب . فكتب معاوية إلى علي عليه السلام مع رجل من السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة وكان من نافلة أهل العراق : أما بعد فإنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض ولئن كنا قد غلبنا على عقولنا لقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى ونصلح به ما بقي وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك بيعة وطاعة فأبيت ذلك عليّ فأعطاني اللّه ما منعت ، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف وقد واللّه فارقت الأجناد وذهبت الرجال ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز ولا يسترق به حر والسلام . . . فلما وصل الكتاب إلى الإمام كتب إليه هذا الكتاب يرد فيه عليه ويفند دعواه . . . أولا : رفض عليه السلام أن يعطيه الشام الآن كما رفض إعطاؤها له بالأمس وبهذا قطع أمنيته وما كان يحلم به فإن عليا عليه السلام رجل المبدأ والعقيدة لم يكن ليداهن في أمره أو يغير موقفه . ثانيا : إن معاوية كتب إليه أنه لم يبق إلا أنفس جريحة مكلومة نتيجة للحرب فرد عليه السلام رد الواثق بنفسه وبطريقه وبما يهدف إليه . . . رد الإنسان الذي يجاهد في سبيل اللّه ويعرف أن طريقه وطريق من معه إلى الجنة . . . إن أصحابنا الذين استشهدوا في سبيل الحق فإلى الجنة وأما أنت ومن معك فلجهادكم في سبيل الباطل فإلى النار . . . ( 1 ) ( وأما استواؤنا في الحرب والرجال فلست بأمضى على الشك مني على اليقين
--> ( 1 ) ابن أبي الحديد ج 15 ص 121